محمد جواد مغنية

169

في ظلال نهج البلاغة

( لا يرضون من أعمالهم بالقليل ) لأنهم خلقوا للنضال والعمل ، لا للبطالة والكسل ، وفي الوقت نفسه لا يغالون في قدراتهم ، ولا يخدعون أنفسهم بالغرور والمباهاة ، بل يخافون من الخطأ والتقصير ( إذا زكي أحد منهم خاف ) من قول الزور وحبائل الغرور ( فيقول أنا أعلم بنفسي من غيري ) . للانسان حياتان : باطنية وظاهرية ، والظاهر للناس ، أما الباطن فلله ولصاحبه ، فهو وحده من بين الخلائق يستطيع أن يتأمل دخيلته ويعرفها ، ولا سبيل إلى معرفة الآخرين بها إلا عن طريقه . قال تعالى : * ( « يُنَبَّؤُا الإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الإِنْسانُ عَلى نَفْسِه ِ بَصِيرَةٌ ) * - 14 القيامة » . وقال الفيلسوف الانكليزي « راسل » في كتاب « الفلسفة بنظرة علمية » : « إن معرفة بعض الحقائق عن الانسان مستحيلة إلا عن طريقه . . ولما كان هو أداة المعرفة لنفسه وجب دراسته كأداة للمعرفة » . ( اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ) يدعو اللَّه ويعوذ به أن يدخل العجب والغرور إلى نفسه من الإطراء ، فيكون من الخاسرين ( واجعلني أفضل مما يظنون ) فيّ من الخير والحسنات ( واغفر لي ما لا يعلمون ) من الهفوات والسيئات . ( فمن علامة أحدهم - إلى - عن طمع ) . إن الدليل القاطع على التقوى حقا وصدقا هو الاستقامة والمسلك السليم النابع عن الوعي واليقين ، والحزم والثبات ، والحلم والاعتدال ، والتواضع والتجمل عند الحاجة ، والنشاط والاجتهاد في الأعمال الصالحة النافعة مع القناعة والكف عن المحرمات ، والتعبد للَّه وحده ، والتوكل عليه دون سواه ( يعمل - أي المتقي - الأعمال الصالحة على وجل ) . العالم المتورع يتوقع الخطأ في أقواله وأفعاله ، ويخشى النقص والخلل ، ولذا يحترس ويحتاط جهد المستطاع ، والذي يرى عمله كاملا من كل وجه فهو جاهل مركَّب . ( يمسي وهمه الشكر ، ويصبح وهمه الذكر ) . هو شاكر ذاكر للَّه تعالى في جميع حالاته وأوقاته . . وتفلسف بعض الشارحين ، وأطال في الفرق بين الشكر مساء ، والذكر صباحا معتمدا على وهمه وفهمه ( يبيت حذرا إلخ ) . . يتهم نفسه بالخطأ والتقصير فيخاف ، وأيضا يرجو الصواب بتوفيق اللَّه وفضله فيطمئن . وهذه هي سمة العلماء المتقين ، وقال قائل منهم : إن أصبت فمن اللَّه وعنايته ، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان ( إن استعصت عليه نفسه إلخ ) . . للمتقي ميول